السيد نعمة الله الجزائري
31
نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية
كالمنائر الموضوعة على ظهر الطريق يعلم به حدود المسافة ناسبها النصب ، وهذه الفقار كالصريحة في نفي الأجل المخروم وعدم صحة القول به ، وما قيل من أنه موقوت أيضا بشرط لا يخفى ما فيه ، فتدبر . « يتخطّى إليه بأيّام عمره » بالهمزة ، إما من الخطوة ، وهي ما بين القدمين ، قلبت الألف همزة هنا على غير قياس ، ولعل فائدته كما قيل ، التنبيه على تضمين معنى الخطا ، والمعنى يتخطأ إليه بأيام عمره متخطيا ، أي من غير تعمد وقصد ، وإما من الخطاء بالهمزة بمعنى الاستعجال ومجاوزة الحد ، لعدم خلو السرعة عن الخطاء والغلط ، ويؤيد هذا عدم احتياج الفعل إلى تضمين معنى الذهاب والاستعجال ونحوهما ، أو جعل الظرف حالا ، أي منتهيا إليه كما يحتاج إليهما على الأول ، لأنه بذلك المعنى متعد بنفسه ، كما يؤيد الأول ما وجد في بعض النسخ القديمة من عدم الهمزة ، ولا يخفى ما في هذه الفقرة وفيما اكتنفاها من أنواع الاستعارات اللطيفة . « ويرهقه » أي يدنو إليه بسرعة . « حتّى إذا بلغ أقصى أثره » وهو الأمد المحدود ، فهو من باب إقامة الظاهر مقام المضمر ، للدلالة على أنه لا يمكن أن يبلغ تلك الغاية وقد بقي لقدمه في الدنيا موضع أثر ، لأن الإنسان ما دام حيا يلزمه الأثر الذي يضع قدمه فيه ، ومنه قولهم قطع اللّه أثرك أي أماتك ، لأن الحي لا يكون مقطوع الأثر ، واعلم أن الكلام في الأجل مما كثر بين العامة والخاصة ، وقد بسّطنا الكلام فيه في حواشينا على كتاب التوحيد للصدوق ( ره ) ، وفي كتابنا نوادر الأخبار ، ولا بأس بالإشارة هنا إلى نبذة من تحقيقه ، وهو أن الأخبار قد تظافرت بأن صلة الأرحام تزيد في العمر ، وقد أشكل هذا المعنى على كثير من العلماء باعتبار أن المقدورات في الأزل والمكتوبات في اللوح المحفوظ لا يتغير بالزيادة والنقصان ، لاستحالة خلاف معلوم اللّه تعالى ، وقد سبق العلم بوجود كل ممكن أراد وجوده وبعدم كل ممكن أراد بقاءه على حالة العدم الأصلي أو إعدامه بعد إيجاده ، فكيف يمكن الحكم بزيادة العمر أو نقصانه بسبب من الأسباب ، واضطربوا في الجواب ، فتارة قالوا إن هذا على سبيل الترغيب ، وأخرى بأن المراد الثناء الجميل بعد الموت .